منتديات آي ميس يو
معارج الوصول Ezlb9t10
منتديات آي ميس يو
معارج الوصول Ezlb9t10
منتديات آي ميس يو
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.


أكبر منتدى للتعليم و الإبداعات بالعالم
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول
المنتدى ينصح إستعمـــال برنامج opera للتصفــــــــح
طلب مديرين نشيطين للمنتدى

 

 معارج الوصول

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mimou
Admin
mimou


الدولـه : : معارج الوصول Jazaer10
ذكر عدد المساهمات : 1108
نقاط : 2272
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/12/1996
تاريخ التسجيل : 01/10/2011
العمر : 27

معارج الوصول Empty
مُساهمةموضوع: معارج الوصول   معارج الوصول I_icon_minitimeالجمعة أكتوبر 07, 2011 4:17 pm

معارج الوصول


شيخ الإسلام ابن تيمية





بسم الله الرحمن الرحيم



قال الشيخ الإمام العالم تقي الدين أوحد
المجتهدين أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه.




الحمد لله نحمده ونستعينه ؛ ونستهديه ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل
فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما .




فصل في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميع الدين أصوله وفروعه ؛
باطنه وظاهره علمه وعمله
فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان
وكل من كان أعظم اعتصاما بهذا الأصل كان أولى بالحق علما وعملا ومن كان أبعد عن
الحق علما وعملا : كالقرامطة والمتفلسفة الذين يظنون :
أن الرسل ما كانوا يعلمون حقائق العلوم الإلهية والكلية وإنما يعرف ذلك بزعمهم من
يعرفه من المتفلسفة ويقولون : خاصة النبوة هي التخييل
ويجعلون النبوة أفضل من غيرها عند الجمهور لا عند أهل المعرفة كما يقول هذا ونحوه الفارابي وأمثاله مثل مبشر ابن فاتك وأمثاله
من الإسماعيلية . وآخرون يعترفون بأن الرسول علم
الحقائق لكن يقولون : لم يبينها بل خاطب الجمهور بالتخييل فيجعلون التخييل في
خطابه لا في علمه كما يقول ذلك ابن سينا وأمثاله .
وآخرون يعترفون بأن الرسل علموا الحق وبينوه لكن يقولون : لا يمكن معرفته من
كلامهم بل يعرف بطريق آخر : إما المعقول عند طائفة ؛ وإما المكاشفة عند طائفة ؛
إما قياس فلسفي ؛ وإما خيال صوفي . ثم بعد ذلك ينظر في كلام الرسول فما وافق ذلك
قبل وما خالفه ؛ إما أن يفوض ؛ وإما أن يؤول . وهذه طريقة كثير من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ؛ وهي طريقة خيار الباطنية والفلاسفة الذين يعظمون الرسول وينزهونه عن الجهل
والكذب لكن يدخلون في التأويل . وأبو حامد الغزالي لما
ذكر في كتابه طرق الناس في التأويل ؛ وأن الفلاسفة زادوا
فيه حتى انحلوا ؛ وإن الحق بين جمود الحنابلة وبين
انحلال الفلاسفة ؛ وأن ذلك لا يعرف من جهة السمع بل
تعرف الحق بنور يقذف في قلبك ؛ ثم ينظر في السمع : فما وافق ذلك قبلته وإلا فلا .
وكان مقصوده بالفلاسفة المتأولين خيار الفلاسفة وهم الذين يعظمون الرسول عن أن يكذب للمصلحة ولكن
هؤلاء وقعوا في نظير ما فروا منه نسبوه إلى التلبيس والتعمية وإضلال الخلق بل إلى
أن يظهر الباطل ويكتم الحق . وابن سينا وأمثاله لما
عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية ؛ بل قد عرفوا أنه أراد
مفهوم الخطاب : سلك مسلك التخييل وقال : إنه خاطب الجمهور بما يخيل إليهم ؛ مع
علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك . فهؤلاء يقولون : إن الرسل كذبوا للمصلحة .
وهذا طريق ابن رشد الحفيد وأمثاله من الباطنية فالذين عظموا الرسل من هؤلاء عن الكذب نسبوهم إلى التلبيس
والإضلال والذين أقروا بأنهم بينوا الحق قالوا : إنهم كذبوا للمصلحة . وأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا الحق
وأنهم بينوه مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق فهم الصادقون المصدوقون علموا
الحق وبينوه فمن قال : إنهم كذبوا للمصلحة فهو من إخوان المكذبين للرسل لكن هذا
لما رأى ما عملوا من الخير والعدل في العالم لم يمكنه أن يقول : كذبوا لطلب العلو
والفساد بل قال : كذبوا لمصلحة الخلق . كما يحكى عن ابن
التومرت وأمثاله . ولهذا كان هؤلاء لا يفرقون بين النبي والساحر إلا من جهة
حسن القصد فإن النبي يقصد الخير والساحر يقصد الشر وإلا فلكل منهما خوارق هي عندهم
قوى نفسانية وكلاهما عندهم يكذب ؛ لكن الساحر يكذب للعلو والفساد والنبي عندهم
يكذب للمصلحة ؛ إذ لم يمكنه إقامة العدل فيهم إلا بنوع من الكذب . والذين علموا أن
النبوة تناقض الكذب على الله وأن النبي لا يكون إلا صادقا من هؤلاء قالوا : إنهم
لم يبينوا الحق ولو أنهم قالوا : سكتوا عن بيانه لكان أقل إلحادا لكن قالوا : إنهم
أخبروا بما يظهر منه للناس الباطل ولم يبينوا لهم الحق فعندهم أنهم جمعوا بين
شيئين : بين كتمان حق لم يبينوه ؛ وبين إظهار ما يدل على الباطل وإن كانوا لم
يقصدوا الباطل فجعلوا كلامهم من جنس المعاريض التي يعني بها المتكلم معنى صحيحا
لكن لا يفهم المستمع منها إلا الباطل . وإذا قالوا : قصدوا التعريض كان أقل إلحادا
ممن قال : إنهم قصدوا الكذب . والتعريض نوع من الكذب ؛ إذ كان كذبا في الأفهام ؛
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلهن في
ذات الله } وهي معاريض كقوله عن سارة : إنها
أختي ؛ إذ كان ليس هناك مؤمن إلا هو وهي . وهؤلاء يقولون : إن كلام إبراهيم وعامة الأنبياء مما أخبروا به عن الغيب
كذب من المعاريض
. وأما جمهور المتكلمين فلا
يقولون بهذا بل يقولون : قصدوا البيان دون التعريض . لكن مع هذا يقول الجهمية ونحوهم : إن بيان الحق ليس في خطابهم بل إنما في
خطابهم ما يدل على الباطل . والمتكلمون من الجهمية والمعتزلة
والأشعرية ونحوهم ممن سلك في إثبات الصانع طريق الأعراض يقولون : إن الصحابة لم يبينوا أصول الدين بل ولا الرسول :
إما لشغلهم بالجهاد ؛ أو لغير ذلك
. وقد بسطنا الكلام على هؤلاء
في غير هذا الموضع وبينا أن أصول الدين الحق الذي أنزل الله به كتابه وأرسل به
رسوله وهي الأدلة والبراهين والآيات الدالة على ذلك : قد بينها الرسول أحسن بيان
وأنه دل الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية التي بها يعلمون
المطالب الإلهية وبها يعلمون إثبات ربوبية الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسوله
والمعاد وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة العقلية بل وما يمكن بيانه بالأدلة
العقلية وإن كان لا يحتاج إليها ؛ فإن كثيرا من الأمور تعرف بالخبر الصادق ومع هذا
فالرسول بين الأدلة العقلية الدالة عليها ؛ فجمع بين الطريقين : السمعي ؛ والعقلي
. وبينا أن دلالة
الكتاب والسنة على أصول الدين
ليست بمجرد الخبر ؛ كما تظنه
طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى
الآيات والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين وهؤلاء الغالطون الذين أعرضوا عما
في القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية صاروا إذا صنفوا في أصول الدين
أحزابا : حزب : يقدمون في كتبهم الكلام في النظر والدليل والعلم وأن النظر يوجب
العلم وأنه واجب ويتكلمون في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم بكلام قد اختلط فيه
الحق بالباطل ثم إذا صاروا إلى ما هو الأصل والدليل للذين استدلوا بحدوث الأعراض
على حدوث الأجسام وهو دليل مبتدع في الشرع وباطل في العقل . والحزب الثاني : عرفوا
أن هذا الكلام مبتدع وهو مستلزم مخالفة الكتاب والسنة وعنه ينشأ القول بأن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى
في الآخرة وليس فوق العرش
ونحو ذلك من بدع الجهمية
فصنفوا كتبا قدموا فيها ما يدل على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة من القرآن
والحديث وكلام السلف وذكروا أشياء صحيحة لكنهم قد
يخلطون الآثار صحيحها بضعيفها وقد يستدلون بما لا يدل على المطلوب . وأيضا فهم
إنما يستدلون بالقرآن من جهة إخباره لا من جهة دلالته فلا يذكرون ما فيه من الأدلة
على إثبات الربوبية والوحدانية والنبوة والمعاد ؛ وأنه قد بين الأدلة العقلية
الدالة على ذلك ؛ ولهذا سموا كتبهم أصول السنة والشريعة ونحو ذلك وجعلوا الإيمان
بالرسول قد استقر فلا يحتاج أن يبين الأدلة الدالة عليه فذمهم أولئك ونسبوهم إلى
الجهل ؛ إذ لم يذكروا الأصول الدالة على صدق الرسول ؛ وهؤلاء ينسبون أولئك إلى
البدعة بل إلى الكفر لكونهم أصلوا أصولا تخالف ما قاله الرسول . والطائفتان
يلحقهما الملام ؛ لكونهما أعرضتا عن الأصول التي بينها الله بكتابه فإنها أصول
الدين وأدلته وآياته فلما أعرض عنها الطائفتان وقع بينهما العداوة ؛ كما قال الله
تعالى : { فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة
والبغضاء إلى يوم القيامة } . وحزب ثالث : قد عرف تفريط هؤلاء وتعدي أولئك
وبدعتهم فذمهم وذم طالب العلم الذكي الذي اشتاقت نفسه إلى معرفة الأدلة والخروج عن
التقليد إذا سلك طريقهم وقال : إن طريقهم ضارة وأن السلف لم
يسلكوها ونحو ذلك مما يقتضي ذمها وهو كلام صحيح لكنه إنما يدل على أمر مجمل لا
تتبين دلالته على المطلوب بل قد يعتقد طريق المتكلمين مع قوله : إنه بدعة ولا يفتح
أبواب الأدلة التي
ذكرها الله في القرآن التي تبين أن ما جاء به الرسول حق
ويخرج
الذكي بمعرفتها عن التقليد وعن الضلال والبدعة والجهل . فهؤلاء أضل بفرقهم ؛ لأنهم لم يتدبروا القرآن وأعرضوا عن آيات الله التي بينها بكتابه كما
يعرض من يعرض عن آيات الله المخلوقة قال الله تعالى : { وكأين
من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } وقال تعالى : { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } وقال تعالى : { إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين
هم عن آياتنا غافلون } { أولئك مأواهم النار بما كانوا
يكسبون } وقال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك
ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب } وقال تعالى : { ولقد
ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } وقال تعالى : { وما
أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }
{ بالبينات والزبر } الآية وقال تعالى : { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } وقال تعالى : { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر
وبالكتاب المنير } ومثل هذا كثير لبسطه مواضع أخر . والمقصود أن هؤلاء
الغالطين الذين أعرضوا ما في القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية لا
يذكرون النظر والدليل والعلم الذي جاء به الرسول والقرآن مملوء من ذلك والمتكلمون
يعترفون بأن في القرآن من الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين ما فيه لكنهم
يسلكون طرقا أخر كطريق الأعراض . ومنهم من يظن أن هذه طريق إبراهيم
الخليل وهو غالط .








والمتفلسفة يقولون : القرآن جاء بالطريق الخطابية والمقدمات
الإقناعية التي تقنع الجمهور ويقولون : إن المتكلمين جاءوا بالطرق الجدلية
ويدعون أنهم هم أهل البرهان اليقيني . وهم أبعد عن البرهان في الإلهيات
من المتكلمين والمتكلمون أعلم منهم بالعلميات البرهانية في الإلهيات والكليات ولكن
للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف
الإلهيات فإنهم من أجهل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ فهو لحم جمل غث على رأس
جبل وعر لا سهل فيرتقى ؛ ولا سمين فينتقى . وهذا مبسوط في غير هذا الموضع . والقرآن جاء بالبينات والهدى ؛ بالآيات
البينات وهي الدلائل اليقينيات
وقد قال الله تعالى لرسوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن }
والمتفلسفة يفسرون ذلك بطرقهم المنطقية في البرهان
والخطابة والجدل وهو ضلال من وجوه قد بسطت في غير هذا الموضع بل الحكمة هي معرفة
الحق والعمل به فالقلوب التي لها فهم وقصد تدعى بالحكمة فيبين لها الحق علما وعملا
فتقبله وتعمل به . وآخرون يعترفون بالحق لكن لهم أهواء تصدهم عن اتباعه فهؤلاء
يدعون بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل . والوعظ
أمر ونهي بترغيب وترهيب كما قال تعالى : { ولو أنهم فعلوا ما
يوعظون به } وقال تعالى : { يعظكم الله أن تعودوا لمثله
أبدا } فالدعوة بهذين الطريقين لمن قبل الحق ومن لم يقبله فإنه يجادل بالتي
هي أحسن . والقرآن مشتمل على هذا وهذا ولهذا إذا جادل يسأل ويستفهم عن المقدمات
البينة البرهانية التي لا يمكن أحد أن يجحدها ؛ لتقرير المخاطب بالحق ولاعترافه بإنكار
الباطل كما في مثل قوله : { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون
} وقوله : { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق
جديد } وقوله : { أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر
على أن يخلق مثلهم } وقوله : { أيحسب الإنسان أن يترك
سدى } { ألم يك نطفة من مني يمنى } { ثم كان علقة فخلق فسوى } { فجعل منه الزوجين
الذكر والأنثى } { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى }
وقوله : { أفرأيتم ما تمنون } { أأنتم
تخلقونه أم نحن الخالقون } وقوله : { وقالوا لولا يأتينا
بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } وقوله : { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } وقوله : { أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } وقوله : { ألم نجعل له عينين } { ولسانا وشفتين }
{ وهديناه النجدين } إلى أمثال ذلك مما يخاطبهم باستفهام
التقرير المتضمن إقرارهم واعترافهم بالمقدمات البرهانية التي تدل على المطلوب فهو
من أحسن جدل بالبرهان ؛ فإن الجدل إنما يشترط فيه أن يسلم الخصم المقدمات وإن لم
تكن بينة معروفة فإذا كانت بينة معروفة كانت برهانية . والقرآن لا يحتج في مجادلته
بمقدمة لمجرد تسليم الخصم بها كما هي الطريقة الجدلية عند أهل
المنطق وغيرهم بل بالقضايا والمقدمات التي تسلمها الناس وهي برهانية وإن
كان بعضهم يسلمها وبعضهم ينازع فيها ذكر الدليل على صحتها كقوله : { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من
أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون
كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } فإن الخطاب لما كان مع من يقر
بنبوة موسى من أهل الكتاب ومع
من ينكرها من المشركين ذكر ذلك بقوله : { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } وقد بين البراهين الدالة
على صدق موسى في غير موضع . وعلى قراءة من قرأ يبدونها كابن كثير وأبي عمرو جعلوا الخطاب مع المشركين وجعلوا قوله :
{ وعلمتم ما لم تعلموا } احتجاجا على المشركين بما جاء
به محمد ؛ فالحجة على أولئك نبوة موسى
وعلى هؤلاء نبوة محمد ولكل منهما من البراهين ما
قد بين بعضه في غير موضع . وعلى قراءة الأكثرين بالتاء هو خطاب لأهل الكتاب وقوله : { وعلمتم ما لم تعلموا
} بيان لما جاءت به الأنبياء مما أنكروه فعلمهم الأنبياء ما لم يقبلوه ولم
يعلموه فاستدل بما عرفوه من أخبار الأنبياء وما لم يعرفوه . وقد قص سبحانه قصة موسى وأظهر براهين موسى وآياته
التي هي من أظهر البراهين والأدلة حتى اعترف بها السحرة الذين جمعهم فرعون وناهيك بذلك فلما أظهر الله حق موسى
؛ وأتى بالآيات التي علم بالاضطرار أنها من الله ؛ وابتلعت عصاه الحبال
والعصي التي أتى بها السحرة بعد أن جاءوا بسحر عظيم وسحروا أعين الناس واسترهبوا
الناس ثم لما ظهر الحق وانقلبوا صاغرين قالوا : { آمنا برب
العالمين } { رب موسى وهارون } فقال لهم فرعون : { آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه
لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل
ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } { قالوا لن نؤثرك على ما
جاءنا من البينات } من الدلائل البينات اليقينية القطعية وعلى الذي فطرنا ؛
وهو خالقنا وربنا الذي لا بد لنا منه لن نؤثرك على هذه الدلائل اليقينية وعلى خالق
البرية { فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا }
{ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر
والله خير وأبقى } . وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن يبين
في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعا غير النوع الآخر كما يسمى الله
ورسوله وكتابه بأسماء متعددة كل اسم يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر وليس في
هذا تكرار بل فيه تنويع الآيات مثل : أسماء النبي صلى الله عليه وسلم إذا قيل :
محمد وأحمد ؛ والحاشر والعاقب ؛ والمقفى ؛ ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة
في كل اسم دلالة على معنى ليس في الاسم الآخر وإن كانت الذات واحدة فالصفات متنوعة
. وكذلك القرآن إذا قيل فيه ؛ قرآن ؛ وفرقان وبيان ؛ وهدى وبصائر وشفاء ونور ورحمة
وروح فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الآخر . وكذلك أسماء الرب تعالى إذا قيل
: الملك ؛ القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ؛ الجبار المتكبر الخالق البارئ ؛
المصور فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الذي في الاسم الآخر فالذات واحدة
والصفات متعددة فهذا في الأسماء المفردة . وكذلك في الجمل التامة يعبر عن القصة
بجمل تدل على معان فيها ثم يعبر عنها بجمل أخرى تدل على معان أخر وإن كانت القصة
المذكورة ذاتها واحدة فصفاتها متعددة ففي كل جملة من الجمل معنى ليس في الجمل
الأخر . وليس في القرآن تكرار أصلا
وأما ما ذكره بعض الناس من أنه كرر القصص مع [ إمكان ] الاكتفاء
بالواحدة وكان الحكمة فيه : أن وفود العرب كانت ترد على
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا
وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم يكن الآيات والقصص مثناة
متكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم
فأراد الله أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض وأن يلقيها إلى كل سمع . فهذا كلام
من لم يقدر القرآن قدره . وأبو الفرج اقتصر على هذا
الجواب في قوله : ( مثاني لما قيل : لم ثنيت ؟ وبسط هذا له موضع آخر فإن التثنية
هي التنويع والتجنيس وهي استيفاء الأقسام ولهذا يقول من يقول من السلف : الأقسام والأمثال . والمقصود هنا التنبيه على أن القرآن اشتمل على أصول الدين التي
تستحق هذا الاسم وعلى البراهين والآيات والأدلة اليقينية ؛ بخلاف ما أحدثه
المبتدعون والملحدون كما قال الرازي مع خبرته بطرق
هؤلاء : لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما وجدتها تشفي عليلا ولا
تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن : اقرأ في الإثبات { إليه
يصعد الكلم الطيب } { الرحمن على العرش استوى } .
واقرأ في النفي { ليس كمثله شيء } { ولا
يحيطون به علما } قال : ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي . والخير والسعادة والكمال والصلاح منحصر
في نوعين : في العلم النافع ؛ والعمل الصالح
. وقد بعث الله محمدا بأفضل ذلك وهو الهدى ودين الحق كما قال : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله
شهيدا } ؟ وقد قال تعالى :
{
واذكر عبادنا
إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار
} فذكر النوعين قال الوالبي
عن ابن عباس يقول : أولوا القوة في العبادة قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن جبير
وعطاء الخراساني والحسن والضحاك والسدي وقتادة وأبي سنان ومبشر بن عبيد نحو
ذلك . و ( الأبصار قال : الأبصار الفقه في الدين . وقال مجاهد :
( الأبصار الصواب في الحكم وعن سعيد بن جبير قال :
البصيرة بدين الله وكتابه . وعن عطاء الخراساني : { أولي الأيدي والأبصار } قال : أولوا القوة في العبادة والبصر
والعلم بأمر الله وعن مجاهد وروي عن قتادة قال : أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين . وجميع
حكماء الأمم يفضلون هذين النوعين مثل حكماء اليونان والهند والعرب قال ابن قتيبة : الحكمة عند العرب العلم
والعمل فالعمل الصالح هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو الدين دين الإسلام والعلم
والهدى هو تصديق الرسول فيما أخبر به عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
وغير ذلك فالعلم النافع هو الإيمان والعمل الصالح هو الإسلام العلم النافع من علم
الله والعمل الصالح هو العمل بأمر الله هذا تصديق الرسول فيما أخبر وهذا طاعته
فيما أمر . وضد الأول أن يقول على الله ما لا يعلم وضد الثاني أن يشرك بالله ما لم
ينزل به سلطانا والأول أشرف فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } وجميع
الطوائف تفضل هذين النوعين لكن الذي جاء به الرسول هو أفضل ما فيهما كما قال : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } وكان النبي صلى الله عليه
وسلم يقرأ في ركعتي الفجر تارة ( سورة الإخلاص و ( قل يا أيها الكافرون ففي ( قل
يا أيها الكافرون عبادة الله وحده وهو دين الإسلام وفي ( قل هو الله أحد صفة
الرحمن وأن يقال فيه ويخبر عنه بما يستحقه وهو الإيمان هذا هو التوحيد القولي وذلك
هو التوحيد العملي . وكان تارة يقرأ فيهما في الأولى بقوله في البقرة : { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين
أحد منهم ونحن له مسلمون } وفي الثانية : { قل يا أهل
الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } إلى قوله { فإن
تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } . قال أبو العالية في
قوله { فوربك لنسألنهم أجمعين } { عما
كانوا يعملون } قال : خلتان يسأل عنهما كل أحد : ماذا كنت تعبد ؟ وماذا
أجبت المرسلين ؟ فالأولى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله والثانية تحقيق الشهادة
بأن محمدا رسول الله . والصوفية بنو
أمرهم على الإرادة ولا بد منها لكن بشرط أن تكون إرادة عبادة الله وحده بما أمر .
والمتكلمون بنوا أمرهم على النظر المقتضي للعلم ولا بد منه لكن بشرط أن يكون علما
بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم والنظر في الأدلة التي دل بها الرسول وهي
آيات الله ولا بد من هذا وهذا . ومن طلب علما بلا إرادة أو إرادة بلا علم فهو
ضال ومن طلب هذا وهذا بدون اتباع الرسول فيهما فهو ضال بل كما قال من قال من السلف : الدين والإيمان قول وعمل واتباع السنة . وأهل الفقه
في الأعمال الظاهرة يتكلمون في العبادات الظاهرة وأهل التصوف والزهد يتكلمون في
قصد الإنسان وإرادته وأهل النظر والكلام وأهل العقائد من أهل الحديث وغيرهم
يتكلمون في العلم والمعرفة والتصديق الذي هو أصل الإرادة ويقولون : العبادة لا بد
فيها من القصد والقصد لا يصح إلا بعد العلم بالمقصود المعبود وهذا صحيح فلا بد من
معرفة المعبود وما يعبد به فالضالون من المشركين والنصارى وأشباههم
لهم عبادات وزهادات لكن لغير الله أو بغير أمر الله وإنما القصد والإرادة النافعة
هو إرادة عبادة الله وحده وهو إنما يعبد بما شرع لا بالبدع . وعلى هذين الأصلين
يدور دين الإسلام : على أن يعبد الله وحده وأن يعبد بما شرع ولا يعبد بالبدع وأما
العلم والمعرفة والتصوف فمدارها على أن يعرف ما أخبر به الرسول ويعرف أن ما أخبر
به حق إما لعلمنا بأنه لا يقول إلا حقا وهذا تصديق عام وإما لعلمنا بأن ذلك الخبر
حق بما أظهر الله من آيات صدقه فإنه أنزل الكتاب والميزان وأرى الناس آياته في
الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن القرآن حق .








فصل وأما " العمليات " وما يسميه ناس : الفروع والشرع والفقه
فهذا قد بينه الرسول أحسن بيان
فما شيء مما أمر الله به أو نهى عنه
أو حلله أو حرمه إلا بين ذلك وقد قال تعالى : { اليوم أكملت لكم
دينكم } وقال تعالى : { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق
الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } وقال تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين }
وقال تعالى : { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين
ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } وقال
تعالى : { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان
أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم } { وما أنزلنا
عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فقد
بين سبحانه أنه ما أنزل عليه الكتاب إلا ليبين لهم الذي اختلفوا فيه كما بين أنه
أنزل جنس الكتاب مع النبيين ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . وقال تعالى : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت
وإليه أنيب } وقال تعالى : { وما كان الله ليضل قوما بعد
إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } فقد بين للمسلمين جميع ما يتقونه كما قال
: { وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه }
وقال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول }
وهو الرد إلى كتاب الله أو إلى سنة الرسول بعد موته وقوله : { فإن
تنازعتم } شرط والفعل نكرة في سياق الشرط فأي شيء تنازعوا فيه ردوه إلى
الله والرسول ولو لم يكن بيان الله والرسول فاصلا للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه .
والرسول أنزل الله عليه الكتاب والحكمة كما ذكر ذلك في غير موضع وقد علم أمته
الكتاب والحكمة كما قال : { ويعلمهم الكتاب والحكمة }
وكان يذكر في بيته الكتاب والحكمة وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك فقال : { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } فآيات الله
هي القرآن إذ كان نفس القرآن يدل على أنه منزل من الله فهو علامة ودلالة على منزله
و ( الحكمة قال غير واحد من السلف : هي السنة . وقال
أيضا طائفة كمالك وغيره : هي معرفة الدين والعمل به .
وقيل غير ذلك وكل ذلك حق فهي تتضمن التمييز بين المأمور والمحظور ؛ والحق والباطل
؛ وتعليم الحق دون الباطل وهذه السنة التي فرق بها بين الحق والباطل وبين الأعمال
الحسنة من القبيحة ؛ والخير من الشر وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك }
. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلام نحو هذا وهذا
كثير في الحديث والآثار يذكرونه في الكتب التي تذكر فيها هذه الآثار كما يذكر مثل
ذلك غير واحد فيما يصفونه في السنة مثل ابن بطة واللالكائي
والطلمنكي وقبلهم المصنفون في السنة كأصحاب أحمد مثل
عبد الله والأثرم وحرب الكرماني وغيرهم ومثل الخلال وغيره . والمقصود هنا تحقيق ذلك وأن الكتاب والسنة
وافيان بجميع أمور الدين .








وأما إجماع الأمة :


فهو في نفسه حق لا تجتمع الأمة على ضلالة وكذلك القياس الصحيح حق ؛ فإن
الله بعث رسله بالعدل وأنزل الميزان مع الكتاب والميزان يتضمن العدل وما يعرف به
العدل وقد فسروا إنزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ذلك والله ورسوله يسوي بين
المتماثلين ويفرق بين المختلفين . وهذا هو القياس الصحيح وقد ضرب الله في القرآن
من كل مثل وبين القياس الصحيح وهي الأمثال المضروبة ما بينه من الحق لكن القياس
الصحيح يطابق النص فإن الميزان يطابق الكتاب والله أمر نبيه أن يحكم بما أنزل
وأمره أن يحكم بالعدل فهو أنزل الكتاب وإنما أنزل الكتاب بالعدل قال تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } { وإن حكمت
فاحكم بينهم بالقسط } وأما إجماع الأمة فهو حق لا تجتمع الأمة - ولله الحمد
- على ضلالة كما وصفها الله بذلك في الكتاب والسنة فقال تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون
بالله } وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر كما وصف
نبيهم بذلك في قوله : { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة
والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } وبذلك وصف المؤمنين في قوله
: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر } فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر
بالمعروف في ذلك ولم تنه عن المنكر فيه وقال تعالى : { وكذلك
جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا }
والوسط العدل الخيار وقد جعلهم الله شهداء على الناس وأقام شهادتهم مقام شهادة
الرسول . وقد ثبت في الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم مر
عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال : وجبت وجبت ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها
شرا فقال : وجبت وجبت قالوا : يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت ؟ قال : هذه الجنازة
أثنيتم عليها خيرا فقلت : وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت :
وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض } . فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء
لم يشهدوا بباطل فإذا شهدوا أن الله أمر بشيء فقد أمر به وإذا شهدوا أن الله نهى
عن شيء فقد نهى عنه ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض
بل زكاهم الله في شهادتهم كما زكى الأنبياء فيما يبلغون عنه أنهم لا يقولون عليه
إلا الحق وكذلك الأمة لا تشهد على الله إلا بحق وقال تعالى : { واتبع
سبيل من أناب إلي } والأمة منيبة إلى الله فيجب اتباع سبيلها وقال تعالى :
{ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم
بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } فرضي عمن اتبع السابقين إلى يوم القيامة
فدل على أن متابعهم عامل بما يرضى الله والله لا يرضى إلا بالحق لا بالباطل وقال
تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير
سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } . وكان
عمر بن عبد العزيز يقول كلمات
كان مالك يأثرها عنه كثيرا
قال : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق
لكتاب الله واستعمال لطاعة الله ومعونة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا النظر
في رأي من خالفها فمن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله تعالى ما تولى
وأصلاه جهنم وساءت مصيرا . والشافعي رضي الله
عنه لما جرد الكلام في أصول الفقه احتج بهذه الآية على الإجماع كما كان هو وغيره ومالك ذكر عن عمر ابن عبد العزيز والآية
دلت على أن متبع غير سبيل المؤمنين مستحق للوعيد كما أن مشاق الرسول من بعد ما
تبين له الهدى مستحق للوعيد ومعلوم أن هذا الوصف يوجب الوعيد بمجرده فلو لم يكن
الوصف الآخر يدخل في ذلك لكان لا فائدة في ذكره . وهنا للناس ثلاثة أقوال : قيل :
اتباع غير سبيل المؤمنين هو بمجرد مخالفة الرسول المذكورة في الآية . وقيل : بل
مخالفة الرسول مستقلة بالذم فكذلك اتباع غير سبيلهم مستقل بالذم وقيل : بل اتباع
غير سبيل المؤمنين يوجب الذم كما دلت عليه الآية لكن هذا لا يقتضي مفارقة الأول بل
قد يكون مستلزما له فكل متابع غير سبيل المؤمنين هو في نفس الأمر مشاق للرسول
وكذلك مشاق الرسول متبع غير سبيل المؤمنين وهذا كما في طاعة الله والرسول فإن طاعة
الله واجبة وطاعة الرسول واجبة وكل واحد من معصية الله ومعصية الرسول موجب للذم
وهما متلازمان فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله . وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : { من أطاعني فقد أطاع الله ؛ ومن أطاع
أميري فقد أطاعني ؛ ومن عصاني فقد عصى الله ؛ ومن عصى أميري فقد عصاني }
وقال : { إنما الطاعة في المعروف } يعني : إذا أمر أميري
بالمعروف فطاعته من طاعتي وكل من عصى الله فقد عصى الرسول ؛ فإن الرسول يأمر بما
أمر الله به بل من أطاع رسولا واحدا فقد أطاع جميع الرسل ومن آمن بواحد منهم فقد
آمن بالجميع ومن عصى واحدا منهم فقد عصى الجميع ومن كذب واحدا منهم فقد كذب الجميع
؛ لأن كل رسول يصدق الآخر ويقول : إنه رسول صادق ويأمر بطاعته فمن
كذب رسولا فقد كذب الذي صدقه ومن عصاه فقد عصى من أمر بطاعته . ولهذا كان دين الأنبياء واحدا كما في
الصحيحين عن أبي هريرة رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إنا معاشر
الأنبياء ديننا واحد } . وقال تعالى : { شرع لكم من
الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن
أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } وقال تعالى : { يا أيها
الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } { وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون } وقال تعالى
: { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا
تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } { منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين } {
من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون }
. ودين الأنبياء كلهم الإسلام كما
أخبر الله بذلك في غير موضع . وهو : الاستسلام لله وحده . وذلك إنما يكون بطاعته
فيما أمر به في ذلك الوقت فطاعة كل نبي هي من دين الإسلام إذ ذاك واستقبال بيت المقدس كان من دين الإسلام قبل النسخ ثم لما أمر باستقبال
الكعبة صار استقبالها من دين الإسلام ولم يبق استقبال الصخرة من دين الإسلام ؛
ولهذا خرج اليهود والنصارى عن دين الإسلام ؛ فإنهم
تركوا طاعة الله وتصديق رسوله واعتاضوا عن ذلك بمبدل أو منسوخ . وهكذا كل مبتدع
دينا خالف به سنة الرسول لا يتبع إلا دينا مبدلا أو منسوخا فكل من خالف ما جاء به
الرسول : إما أن يكون ذلك قد كان مشروعا لنبي ثم نسخ على لسان محمد
صلى الله عليه وسلم وإما أن لا يكون شرع قط ؛ فهذا كالأديان التي شرعها
الشياطين على ألسنة أوليائهم قال تعالى : { أم لهم شركاء شرعوا
لهم من الدين ما لم يأذن به الله } وقال : . { وإن
الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } وقال
: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم
إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } . ولهذا
كان الصحابة إذا قال أحدهم برأيه شيئا يقول : إن كان
صوابا فمن الله ؛ وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه كما قال
ذلك ابن مسعود وروي عن أبي بكر وعمر
. فالأقسام ثلاثة ؛ فإنه : إما أن يكون هذا القول موافقا لقول الرسول أو لا
يكون ؛ وإما أن يكون موافقا لشرع غيره ؛ وإما أن لا يكون فهذا الثالث المبدل
كأديان المشركين والمجوس وما كان شرعا لغيره وهو لا
يوافق شرعه فقد نسخ كالسبت وتحريم كل ذي ظفر وشحم الثرب والكليتين ؛ فإن اتخاذ
السبت عيدا وتحريم هذه الطيبات قد كان شرعا لموسى ثم
نسخ ؛ بل قد قال المسيح : { ولأحل
لكم بعض الذي حرم عليكم } فقد نسخ الله على لسان المسيح
بعض ما كان حراما في شرع موسى . وأما محمد فقال الله فيه : { الذي يجدونه مكتوبا
عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات
ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به
وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } والشرك كله
من المبدل لم يشرع الله الشرك قط كما قال : { واسأل من أرسلنا
من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } وقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون
} . وكذلك ما كان يحرمه أهل الجاهلية مما ذكره الله في القرآن كالسائبة
والوصيلة والحام وغير ذلك هو من الدين المبدل ؛ ولهذا لما ذكر الله ذلك عنهم في
سورة الأنعام بين أن من حرم ذلك فقد كذب على الله وذكر تعالى ما حرمه على لسان محمد وعلى لسان موسى في الأنعام
فقال : { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن
يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر
غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } { وعلى الذين هادوا
حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو
الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } وكذلك قال بعد
هذا : { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل }
. فبين أن ما حرمه المشركون لم يحرمه على لسان موسى ولا
لسان محمد وهذان هما اللذان جاءا بكتاب فيه الحلال
والحرام كما قال تعالى : { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى
منهما أتبعه } وقال تعالى : { ومن قبله كتاب موسى إماما
ورحمة } وقال تعالى : { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به
موسى } إلى قوله : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي
بين يديه } وقالت الجن لما سمعت القرآن : { إنا سمعنا
كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم }
وقال ورقة بن نوفل : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرجان من مشكاة واحدة . وكذلك قال النجاشي
. فالقرآن والتوراة هما كتابان جاءا من عند الله لم
يأت من عنده كتاب أهدى منهما كل منهما أصل مستقل والذي فيهما دين واحد وكل منهما
يتضمن إثبات صفات الله تعالى والأمر بعبادته وحده لا شريك له ففيه التوحيد قولا
وعملا كما في سورتي الإخلاص : { قل يا أيها الكافرون } و
{ قل هو الله أحد } . وأما الزبور فإن
داود لم يأت بغير شريعة التوراة وإنما
في الزبور ثناء على الله ودعاء وأمر ونهي بدينه وطاعته
وعبادته مطلقا . وأما المسيح فإنه قال : { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } فأحل لهم بعض المحرمات وهو في
الأكثر متبع لشريعة التوراة . ولهذا لم يكن بد لمن اتبع
المسيح من أن يقرأ التوراة ويتبع
ما فيها ؛ إذ كان الإنجيل تبعا لها . وأما القرآن فإنه
مستقل بنفسه لم يحوج أصحابه إلى كتاب آخر بل اشتمل على جميع ما في الكتب من
المحاسن ؛ وعلى زيادات كثيرة لا توجد في الكتب ؛ فلهذا كان مصدقا لما بين يديه من
الكتاب ومهيمنا عليه يقرر ما فيها من الحق ويبطل ما حرف منها وينسخ ما نسخه الله
فيقرر الدين الحق وهو جمهور ما فيها ويبطل الدين المبدل الذي لم يكن فيها والقليل
الذي نسخ فيها ؛ فإن المنسوخ قليل جدا بالنسبة إلى المحكم المقرر . والأنبياء كلهم
دينهم واحد وتصديق بعضهم مستلزم تصديق سائرهم وطاعة بعضهم تستلزم طاعة سائرهم
وكذلك التكذيب والمعصية : لا يجوز أن يكذب نبي نبيا بل إن عرفه صدقه وإلا فهو يصدق
بكل ما أنزل الله مطلقا وهو يأمر بطاعة من أمر الله بطاعته . ولهذا كان من صدق محمدا فقد صدق كل نبي ؛ ومن أطاعه فقد أطاع كل نبي ومن كذبه
فقد كذب كل نبي ؛ ومن عصاه فقد عصى كل نبي قال تعالى : { إن
الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض
ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } { أولئك
هم الكافرون حقا } وقال تعالى : { أفتؤمنون ببعض الكتاب
وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة
يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون } . ومن كذب هؤلاء تكذيبا
بجنس الرسالة فقد صرح بأنه يكذب الجميع ؛ ولهذا يقول تعالى : { كذبت
قوم نوح المرسلين } ولم يرسل إليهم قبل نوح أحدا
وقال تعالى : { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم } .
وكذلك من كان من الملاحدة والمتفلسفة طاعنا في جنس
الرسل كما قدمنا بأن يزعم أنهم لم يعلموا الحق أو لم يبينوه فهو مكذب لجميع الرسل
كالذين قال فيهم : { الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا
فسوف يعلمون } { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون }
{ في الحميم ثم في النار يسجرون } وقال تعالى : { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما
كانوا به يستهزئون } { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله
وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } { فلم يك ينفعهم
إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون }
وقال تعالى عن الوليد : { إنه فكر
وقدر } { فقتل كيف قدر } { ثم
قتل كيف قدر } { ثم نظر } { ثم
عبس وبسر } { ثم أدبر واستكبر } { فقال إن هذا إلا سحر يؤثر } { إن هذا إلا
قول البشر } . وأهل الكتاب منهم من يؤمن بجنس
الرسالة لكن يكذب بعض الرسل كالمسيح ومحمد فهؤلاء لما
آمنوا ببعض وكفروا ببعض كانوا كافرين حقا وكثير من الفلاسفة
والباطنية وكثير من أهل الكلام والتصوف لا يكذب
الرسل تكذيبا صريحا ولا يؤمن بحقيقة النبوة والرسالة بل يقر بفضلهم في الجملة مع
كونه يقول : إن غيرهم أعلم منهم ؛ أو أنهم لم يبينوا الحق أو لبسوه ؛ أو إن النبوة
هي فيض يفيض على النفوس من العقل الفعال من جنس ما يراه النائم ولا يقر بملائكة
مفضلين ولا بالجن ونحو ذلك فهؤلاء يقرون ببعض صفات الأنبياء دون بعض ؛ وبما أوتوه
دون بعض ولا يقرون بجميع ما أوتيه الأنبياء وهؤلاء قد يكون أحدهم شرا من اليهود والنصارى الذين أقروا بجميع صفات النبوة لكن كذبوا
ببعض الأنبياء ؛ فإن الذي أقر به هؤلاء مما جاءت به الأنبياء أعظم وأكثر ؛ إذ كان
هؤلاء يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ويقرون بقيام القيامة ويقرون
بأنه تجب عبادته وحده لا شريك له ويقرون بالشرائع المتفق عليها . وأولئك يكذبون
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://3oloum.7olm.org
mimou
Admin
mimou


الدولـه : : معارج الوصول Jazaer10
ذكر عدد المساهمات : 1108
نقاط : 2272
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/12/1996
تاريخ التسجيل : 01/10/2011
العمر : 27

معارج الوصول Empty
مُساهمةموضوع: رد: معارج الوصول   معارج الوصول I_icon_minitimeالجمعة أكتوبر 07, 2011 4:19 pm

بهذا وإنما يقرون ببعض شرع محمد صلى الله عليه وسلم . ولهذا كان اليهود
والنصارى أقل كفرا من الملاحدة الباطنية والمتفلسفة ونحوهم
لكن من كان من اليهود والنصارى قد دخل مع هؤلاء فقد جمع
نوعي الكفر ؛ إذ لم يؤمن بجميع صفاتهم ولا بجميع أعيانهم وهؤلاء موجودون في دول
الكفار كثيرا كما يوجد أيضا في المنتسبين إلى الإسلام من هؤلاء وهؤلاء إذ كانوا في
دولة المسلمين . وأهل الكتاب كانوا منافقين فيهم من
النفاق بحسب ما فيهم من الكفر والنفاق يتبعض والكفر يتبعض ويزيد وينقص كما أن
الإيمان يتبعض ويزيد وينقص قال الله تعالى : { إنما النسيء
زيادة في الكفر } وقال : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من
يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون }
{ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم
كافرون } وقال : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة
للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } وقال : { وليزيدن
كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } وقال : { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } وقال : { في
قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا } وقال : { إن الذين آمنوا
ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا } . وكثير من المصنفين في
الكلام لا يردون على أهل الكتاب إلا ما يقولون : إنه
يعلم بالعقل مثل تثليث النصارى ومثل تكذيب محمد ولا يناظرونهم في غير هذا من أصول الدين وهذا تقصير منهم
ومخالفة لطريقة القرآن ؛ فإن الله يبين في القرآن ما خالفوا به الأنبياء ويذمهم
على ذلك والقرآن مملوء من ذلك ؛ إذ كان الكفر والإيمان يتعلق بالرسالة والنبوة
فإذا تبين ما خالفوا فيه الأنبياء ظهر كفرهم . وأولئك المتكلمون لما أصلوا لهم
دينا بما أحدثوه من الكلام كالاستدلال بالأعراض على حدوث الأجسام ظنوا أن هذا هو
أصول الدين ولو كان ما قالوه حقا لكان ذلك جزءا من الدين فكيف إذا كان باطلا ؟ وقد
ذكرت في الرد على النصارى من مخالفتهم للأنبياء كلهم
مع مخالفتهم لصريح العقل ما يظهر به من كفرهم ما يظهر ؛ ولهذا قيل فيه " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " وخطابهم في
مقامين : أحدهما : تبديلهم لدين المسيح . والثاني :
تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم واليهود
خطابهم في تكذيب من بعد موسى إلى المسيح ثم في تكذيب محمد صلى الله
عليه وسلم كما ذكر الله ذلك في سورة البقرة في قوله : { ولقد
آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه
بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا
تقتلون } { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم
فقليلا ما يؤمنون } ثم قال : { ولما جاءهم كتاب من عند
الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا
كفروا به فلعنة الله على الكافرين } إلى أن ذكر أنهم أعرضوا عن كتاب الله
مطلقا واتبعوا السحر . فقال : { ولما جاءهم رسول من عند الله
مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا
يعلمون } { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان }
إلى قوله : { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق
ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } { ولو أنهم
آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } . والنصارى نذمهم على الغلو والشرك الذي ابتدعوه وعلى تكذيب
الرسول والرهبانية التي ابتدعوها ولا نحمدهم عليها إذ كانوا قد ابتدعوها وكل بدعة
ضلالة لكن إذا كان صاحبها قاصدا للحق فقد يعفى عنه فيبقى عمله ضائعا لا فائدة فيه
وهذا هو الضلال الذي يعذر صاحبه فلا يعاقب ولا يثاب ؛ ولهذا قال : { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } فإن المغضوب عليه يعاقب بنفس
الغضب والضال فاته المقصود وهو الرحمة والثواب ولكن قد لا يعاقب كما عوقب ذلك بل
يكون ملعونا مطرودا ولهذا جاء في حديث زيد بن عمرو بن نفيل :
أن اليهود قالوا له : لن تدخل في ديننا حتى تأخذ نصيبك
من غضب الله . وقال له النصارى : حتى تأخذ نصيبك من
لعنة الله . وقال الضحاك وطائفة : إن
جهنم طبقات فالعليا لعصاة هذه الأمة والتي تليها للنصارى
والتي تليها لليهود .
فجعلوا اليهود تحت النصارى والقرآن
قد شهد بأن المشركين واليهود يوجدون أشد عداوة للذين
آمنوا من الذين قالوا : إنا نصارى وشدة العداوة زيادة في الكفر فاليهود أقوى كفرا من النصارى وإن كان النصارى أجهل وأضل لكن أولئك يعاقبون على عملهم إذ كانوا
عرفوا الحق وتركوه عنادا فكانوا مغضوبا عليهم وهؤلاء بالضلال حرموا أجر المهتدين
ولعنوا وطردوا عما يستحقه المهتدون ثم إذا قامت عليهم الحجة فلم يؤمنوا استحقوا
العقاب إذ كان اسم الضلال عاما . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث
الصحيح { في خطبة يوم الجمعة : خير الكلام كلام الله وخير الهدي
هدي محمد صلى الله عليه وسلم
وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة } ولم يقل : وكل ضلالة في النار بل يضل
عن الحق من قصد الحق وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب وقد يفعل بعض ما أمر به
فيكون له أجر على اجتهاده وخطؤه الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له . وكثير من
مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم
يعلموا أنه بدعة إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد
منها وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم . وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع
دخل في قوله : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا }
وفي الصحيح أن الله قال : " قد فعلت " وبسط هذا له موضع آخر .








والمقصود هنا:



أن الرسول بين جميع الدين بالكتاب والسنة وأن الإجماع - إجماع الأمة - حق ؛ فإنها
لا تجتمع على ضلالة وكذلك القياس
الصحيح
حق يوافق الكتاب والسنة . والآية المشهورة التي يحتج بها على
الإجماع قوله : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى
ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى } ومن الناس من يقول : إنها لا تدل
على مورد النزاع ؛ فإن الذم فيها لمن جمع الأمرين وهذا لا نزاع فيه ؛ أو لمن اتبع
غير سبيل المؤمنين التي بها كانوا مؤمنين وهي متابعة الرسول وهذا لا نزاع فيه ؛ أو
أن سبيل المؤمنين هو الاستدلال بالكتاب والسنة وهذا لا نزاع فيه ؛ فهذا ونحوه قول
من يقول : لا تدل على محل النزاع . وآخرون يقولون : بل تدل على وجوب اتباع
المؤمنين مطلقا وتكلفوا لذلك ما تكلفوه كما قد عرف من كلامهم ولم يجيبوا عن أسئلة
أولئك بأجوبة شافية . والقول الثالث الوسط : أنها تدل على وجوب اتباع سبيل
المؤمنين وتحريم اتباع غير سبيلهم ولكن مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له
الهدى وهو يدل على ذم كل من هذا وهذا كما تقدم لكن لا ينفي تلازمهما كما ذكر في
طاعة الله والرسول . وحينئذ نقول : الذم إما أن يكون لاحقا لمشاقة الرسول فقط ؛ أو
باتباع غير سبيلهم فقط ؛ أو أن يكون الذم لا يلحق بواحد منهما بل بهما إذا اجتمعا
؛ أو يلحق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر ؛ أو بكل منهما لكونه مستلزما للآخر
. والأولان باطلان ؛ لأنه لو كان المؤثر أحدهما فقط كان ذكر
الآخر ضائعا لا فائدة فيه وكون الذم لا يلحق بواحد منهما باطل قطعا ؛ فإن
مشاقة الرسول موجبة للوعيد مع قطع النظر عمن اتبعه ؛ ولحوق الذم بكل منهما وإن
انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية ؛ فإن الوعيد فيها إنما هو على المجموع . بقي
القسم الآخر وهو أن كلا من الوصفين يقتضي الوعيد لأنه مستلزم
للآخر كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول ومخالفة القرآن والإسلام
فيقال : من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار
ومثله قوله : { ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا } فإن الكفر بكل من هذه الأصول يستلزم الكفر
بغيره فمن كفر بالله كفر بالجميع ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرا
بالله إذ كذب رسله وكتبه وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل فكان كافرا
. وكذلك قوله : { يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون
الحق وأنتم تعلمون } ذمهم على الوصفين وكل منهما مقتض للذم وهما متلازمان ؛
ولهذا نهى عنهما جميعا في قوله : { ولا تلبسوا الحق بالباطل
وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } فإنه من لبس الحق بالباطل فغطاه به فغلط به
لزم أن يكتم الحق الذي تبين أنه باطل ؛ إذ لو بينه زال الباطل الذي لبس به الحق .
فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ومن شاقه فقد اتبع غير سبيلهم وهذا
ظاهر ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا ؛ فإنه قد جعل له مدخلا في الوعيد فدل على
أنه وصف مؤثر في الذم فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعا والآية توجب ذم
ذلك . وإذا قيل : هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول . قلنا : لأنهما
متلازمان وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول فالمخالف
لهم مخالف للرسول كما أن المخالف للرسول مخالف لله ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع
عليه قد بينه الرسول ؛ وهذا هو الصواب . فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها
بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع . فيستدل به كما أنه
يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص وهو دليل ثان مع النص كالأمثال المضروبة في
القرآن وكذلك الإجماع دليل آخر كما يقال : قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع
وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها ؛ فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة وما
دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه ولا يوجد مسألة
يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص . وقد كان بعض الناس يذكر مسائل فيها إجماع بلا
نص كالمضاربة وليس كذلك بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش ؛ فإن الأغلب كان عليهم التجارة وكان أصحاب الأموال
يدفعونها إلى العمال ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد سافر بمال غيره قبل النبوة
كما سافر بمال خديجة والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان
وغيره فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه
يسافرون بمال غيرهم مضاربة ولم ينه عن ذلك والسنة : قوله وفعله وإقراره . فلما
أقرها كانت ثابتة بالسنة . والأثر المشهور فيها عن عمر الذي
رواه مالك في الموطأ ويعتمد
عليه الفقهاء لما أرسل أبو موسى بمال أقرضه لابنيه واتجرا فيه وربحا وطلب عمر
أن يأخذ الربح كله للمسلمين لكونه خصهما بذلك دون سائر
الجيش فقال له أحدهما : لو خسر المال كان علينا فكيف يكون لك الربح وعلينا الضمان
؟ فقال له بعض الصحابة :
اجعله مضاربا فجعله مضاربة وإنما قال ذلك لأن المضاربة
كانت معروفة بينهم والعهد بالرسول قريب لم يحدث بعده فعلم أنها كانت معروفة بينهم
على عهد الرسول كما كانت الفلاحة وغيرها من الصناعات كالخياطة والجزارة .
وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصا
فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص لكن كان النص عند غيرهم . وابن جرير وطائفة يقولون : لا ينعقد الإجماع إلا عن نص نقلوه
عن الرسول مع قولهم بصحة القياس . ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه
بالمعنى كما تنقل الأخبار لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها
كلها منصوصة وكثير من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة كما أنه قد
يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع وكما يكون في المسألة نص خاص وقد
استدل فيها بعضهم بعموم كاستدلال ابن مسعود وغيره بقوله
: { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } وقال ابن مسعود : سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى أي : بعد
البقرة ؛ وقوله : { أجلهن أن يضعن حملهن } يقتضي انحصار
الأجل في ذلك فلو أوجب عليها أن تعد بأبعد الأجلين لم يكن أجلها أن تضع حملها وعلي وابن عباس وغيرهما أدخلوها في عموم الآيتين وجاء النص
الخاص في قصة سبيعة الأسلمية بما يوافق قول ابن مسعود . وكذلك لما تنازعوا في المفوضة إذا مات زوجها : هل لها مهر المثل ؟
أفتى ابن مسعود فيها برأيه أن لها مهر المثل ثم رووا
حديث بروع بنت واشق بما يوافق ذلك وقد خالفه علي وزيد وغيرهما فقالوا : لا مهر لها . فثبت أن بعض
المجتهدين قد يفتي بعموم أو قياس ويكون في الحادثة نص خاص لم يعلمه فيوافقه ولا
يعلم مسألة واحدة اتفقوا على إنه لا نص فيها ؛ بل عامة ما تنازعوا فيه كان بعضهم
يحتج فيه بالنصوص أولئك احتجوا بنص كالمتوفى عنها الحامل وهؤلاء احتجوا بشمول
الآيتين لها والآخرين قالوا : إنما يدخل في آية الحمل فقط وأن آية الشهور في غير
الحامل كما أن آية القروء في غير الحامل . وكذلك لما تنازعوا في الحرام احتج من
جعله يمينا بقوله : { لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة
أزواجك والله غفور رحيم } { قد فرض الله لكم تحلة
أيمانكم } . وكذلك لما تنازعوا في المبتوتة : هل لها نفقة أو سكنى ؟ احتج هؤلاء
بحديث فاطمة وبأن السكنى التي في القرآن للرجعية وأولئك
قالوا : بل هي لهما . ودلالات النصوص قد تكون خفية فخص الله بفهمهن بعض الناس كما
قال علي : إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه . وقد
يكون النص بينا ويذهل المجتهد عنه كتيمم الجنب فإنه بين في القرآن في آيتين ولما
احتج أبو موسى على ابن مسعود بذلك
قال : الحاضر : ما درى عبد الله ما يقول إلا أنه قال :
لو أرخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا وجد المرء البرد أن يتيمم وقد قال ابن عباس وفاطمة بنت قيس وجابر : إن المطلقة في القرآن هي الرجعية بدليل قوله : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } وأي أمر يحدثه بعد
الثلاثة ؟ وقد احتج طائفة على وجوب العمرة بقوله : { وأتموا
الحج والعمرة لله } واحتج بهذه الآية من منع الفسخ وآخرون يقولون : إنما
أمر بالإتمام فقط وكذلك أمر الشارع أن يتم وكذلك في الفسخ قالوا : من فسخ العمرة
إلى غير حج فلم يتمها أما إذا فسخها ليحج من عامه فهذا قد أتى بما تم مما شرع فيه
؛ فإنه شرع في حج مجرد فأتى بعمرة في الحج ولو لم يكن هذا إتماما لما أمر به النبي
صلى الله عليه وسلم أصحابه عام حجة الوداع . وتنازعوا في الذي بيده عقدة النكاح
وفي قوله : { أو لامستم النساء } ونحو ذلك مما ليس هذا
موضع استقصائه . وأما مسألة مجردة اتفقوا على أنه لا يستدل فيها بنص جلي ولا خفي
فهذا ما لا أعرفه . والجد لما قال أكثرهم : إنه أب استدلوا على ذلك بالقرآن بقوله
: { كما أخرج أبويكم من الجنة } وقال ابن عباس : لو كانت الجن تظن أن الإنس تسمي
أبا الأب جدا لما قالت : { وأنه تعالى جد ربنا } يقول : إنما هو أب لكن أب أبعد من أب . وقد روي عن علي وزيد أنهما احتجا بقياس فمن ادعى إجماعهم على ترك العمل بالرأي والقياس مطلقا
فقد غلط ومن ادعى أن من المسائل ما لم يتكلم فيها أحد منهم إلا بالرأي والقياس فقد
غلط بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم فمن رأى دلالة الكتاب ذكرها ومن
رأى دلالة الميزان ذكرها والدلائل الصحيحة لا تتناقض لكن قد يخفى وجه اتفاقها أو
ضعف أحدها على بعض العلماء . وللصحابة فهم في القرآن
يخفى على أكثر المتأخرين كما أن لهم معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها
أكثر المتأخرين فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل وعاينوا الرسول وعرفوا من أقواله
وأفعاله وأحواله مما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم
يعرفوا ذلك فطلبوا الحكم ما اعتقدوا من إجماع أو قياس . ومن قال من المتأخرين : إن
الإجماع مستند معظم الشريعة فقد أخبر عن حاله ؛ فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة
احتاج إلى ذلك وهذا كقولهم : إن أكثر الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة
النصوص عليها ؛ فإنما هذا قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتهما على
الأحكام وقد قال الإمام أحمد - رضي الله عنه - إنه ما
من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها فإنه
لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب
والسنة وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم
ولا يحتاجون إليه ؛ إذ هم أهل الإجماع فلا إجماع قبلهم لكن لما جاء التابعون كتب عمر
إلى شريح ؛ اقض بما في كتاب الله فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله فإن لم تجد
فبما به قضى الصالحون قبلك . وفي رواية : فبما أجمع عليه الناس . وعمر قدم الكتاب ثم السنة وكذلك ابن مسعود
قال مثل ما قال وعمر قدم الكتاب ثم السنة ثم
الإجماع . وكذلك ابن عباس كان يفتي بما في الكتاب ثم
بما في السنة ثم بسنة أبي بكر وعمر ؛ لقوله : { اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر }
وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس وهم من
أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء وهذا هو الصواب . ولكن
طائفة من المتأخرين قالوا : يبدأ المجتهد بأن ينظر أولا في الإجماع فإن وجده لم
يلتفت إلى غيره وإن وجد نصا خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه وقال بعضهم ؛
الإجماع نسخه والصواب طريقة السلف . وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا
بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذلك منسوخ فإما أن يكون النص المحكم قد
ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ فهذا لا يوجد قط وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت
عن اتباعه وإضاعة ما أمرت باتباعه وهي معصومة عن ذلك ومعرفة الإجماع قد تتعذر
كثيرا أو غالبا فمن ذا الذي يحيط بأقوال المجتهدين ؟ بخلاف النصوص فإن معرفتها
ممكنة متيسرة . وهم إنما كانوا يقضون بالكتاب أولا لأن السنة
لا تنسخ الكتاب فلا يكون في القرآن شيء منسوخ بالسنة بل إن كان فيه منسوخ
كان في القرآن ناسخه فلا يقدم غير القرآن عليه ثم إذا لم يجد ذلك طلبه في السنة
ولا يكون في السنة شيء منسوخ إلا والسنة نسخته لا ينسخ السنة إجماع ولا غيره ؛ ولا
تعارض السنة بإجماع وأكثر ألفاظ الآثار فإن لم يجد فالطالب قد لا يجد مطلوبه في
السنة مع أنه فيها وكذلك في القرآن فيجوز له إذا لم يجده في القرآن أن يطلبه في
السنة وإذا كان في السنة لم يكن ما في السنة معارضا لما في القرآن وكذلك الإجماع الصحيح لا
يعارض كتابا ولا سنة
. تم بحمد الله وعونه وصلواته على خير
بريته محمد وآله وسلم .











الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://3oloum.7olm.org
 
معارج الوصول
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات آي ميس يو :: الأقســام الإسلامية :: المنتدى الاسلامي العام-
انتقل الى: